المقالات
السياسة
عصر 22 يوليو 1971: الشيوعيون ومذبحة بيت الضيافة
عصر 22 يوليو 1971: الشيوعيون ومذبحة بيت الضيافة
07-23-2019 10:43 AM

من أسخن أجندة التفاوض بين قوى الثورة والمجلس المركزي وأعقدها هو التحقيق في مذبحة 3 يونيو وتوابعها. وتعقيدها بسيط مصدره أننا إنما نفاوض القتلة أنفسهم علاوة على خلو يدنا من خبرة التحقيق على أننا لم نترك مجزرة لم نرتكبها. ففي باكر استقلالنا حققنا في حوادث الجنوب في أغسطس 1955 تحقيقاً جيداً منشوراً. ثم وقعت مجزرة مشروع جودة التي اختنق فيها موتاً نحو 88 مزارعاً بعنبر سجن في 1956. وكففنا منذها عن التحقيق في حين واظبنا على القتل سكيننا راعفه. ولم نسفر عن قتامة في العقل والنفس أكثر كآبة من رفض البرلمان السوداني في 1988 التحقيق في مقاتل الجنوبيين بالجملة في الضعين في 1978. وكانت هناك محاولة قصيرة النفس للتحقيق في مقاتل مدينة واو بعد ثورة أكتوبر 1964 بقرار من الثورة أخمدها استمرار جناح من حركة القوميين الجنوبيين "الأنانيا" الحرب وكساء مؤتمر مائدة المؤتمر الدستوري بشأن جنوب لم يطو بعد. وعتبت على السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء في 1988 يفتح التحقيق في اغتيال المرحوم الإمام الهادي المهدي في 1970 دون غيره. وجاءت الإنقاذ وجرجرت رجليها دون التحقيق المسؤول في مذابح دارفور. وظلت ترتكب القتل الجماعي في بورتسودان وكجبار وسوبا وأم دوم وغيرها بغير أن يطرف لها تحقيق.

في سياق رد القتل فينا إلى التحقيق واظبت على الدعوة لفتح التحقيق من جديد في مذبحة بيت الضيافة التي وقعت لثمانية وأربعين عاماً خلون في 22 يوليو 1971. وشملت في دعوتي كل مقتلة لنتصالح مع الله ونُرقي حسنا ب"حدار الدم"، أي صونه، الذي هو حجر الزاوية في السياسة. فالقتل في السياسة قتل للسياسة. وظللت أنظر في وثائق اتهام حزبنا بمذبحة بيت الضيافة وأجد العور يكتنفها. ووجدت هذا العور صار بينة طاعنة في صدق اتهامنا. وقلت: "نريد من سعينا للتحقيق المجدد الحقيق للمذبحة أن يقوم جرم رفاقنا، أو تبرئتهم، على بينة لا على غل النفوس والهرج. فمتى ساقتكم البينات إلى إدانتهم فلا تثريب. ومتى عازكم الدليل والبرهان فأحسنوا إليهم بالبراءة". وصدرت مقالاتي في الشأن في كتاب عنوانه "مذبحة بيت الضيافة: التحقيق الذي يكذب الغطاس" (2018). وتجد أدناه بعض مادة الكتاب.



وقعت مذبحة بيت الضيافة في 22 يوليو 1971 في أعقاب مصرع انقلاب 19 يوليو الذي قام به ضباط شيوعيون وحلفاء لهم في وضح نهار ذلك اليوم. وهي المذبحة التي راح ضحيتها 16 ضابطاً وثلاثة من صف الضابط علاوة على مواجهات خارج القصر قضت على 17 مدنياً. وكَيّفت هذه المذبحة، التي اتُهم بها من قاموا بالانقلاب الفاشل من الضباط الشيوعيين وحزبهم، ردة فعل نظام الرئيس لاحقاً النميري على الانقلاب. فَجَرت المحاكمات من وحي بشاعة تلك المقتلة. فاختلط تذنيب الشيوعيين بالانقلاب، وهي تهمة جلل في حد ذاتها، بتذنيبهم للمقتلة التي هي فظاظة كبرى في حد ذاتها. وجسدت هذا الخلط المروع والظالم محاكم الشجرة (معسكر مدرعات القوات المسلحة بفضاء حي الشجرة جنوب الخرطوم) التي نُصبت للانقلابيين. وكانت مثلاً يضرب في هرج محاكم الكنقارو. فأكثر قضاتها العسكريين نطقوا بأحكام للإعدام سبقهم نميري لها. فتربصت هذه المحاكم بالمتهمين، وتجنبت مقتضى العدل بصورة أثيمة صريحة. فقتلت جزافاً 3 من قادة حزبنا و11 ضابطاً من رفاقنا من زبدة جيل الـتأسيس الشيوعي والنقابي. ودُفنوا في لا مقابر معلومة. ولا بد من استثناء قضاة عسكريين فيها تعففوا من الطأطأة لإرادة نميري ونزوته.

ظللت منذ السبعينات أكتب جامعاً بين وجوب أن تكشف الدولة عن المقابر المخفاة لشهداء حزبنا، ووجوب التحقيق الدقيق في من قام بهذه المذبحة. فقد تواترت الشواهد على أن من قتل الناس جميعاً فيها قوم آخرون غير الشيوعيين عرفوا ب"القوة الثالثة". وهي القوة التي خرجت في ظهيرة يوم 22 يوليو بانقلابها الخاص. فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء تطلب الحكم غلابا. وخاضت في الدم في قصر الضيافة قبل أن يفسد عليها بهجة يومها خروج الرئيس نميري سالماً من معتقله، وسَبْقُه لها إلى الشارع والإذاعة، فطوت ذيلها وأوراقها، وركبت موجة عودة "القائد في خمس دقائق" كما جرى الهتاف في تلك الأيام .

وأسستُ لنظرية وجود هذه القوة الثالثة بما وسعني من حيثيات. ولم أرد منها في هذا الطور سوى الطعن في عقيدة تحميل الشيوعيين جريرة المقتلة المتوارثة من لائحة اتهام محاكم الشجرة الكأداء. ورغبت من هذا الطعن أن يكون حافزاً للجميع لاستدراك حس العدل والدين الذي ابتذلته محاكم الشجرة وتحقيقاتها. لا أزعم لنظريتي في هذا الطور الصحة. فالغاية منها إلقاء غلالة من الشك على ما تواضعنا عليه من توزير الشيوعيين بالمذبحة. فنجاحها قاصر في هذه المرحلة على بذر الشك في نسبة المذبحة للشيوعيين بما يستدعي التحقيق فيها من أول جديد.

لا يعترضن أحد على العودة لمنصة التحقيق بعد 48 من وقوع المذبحة بحجة استحالة توافر الوثائق والبينات. وستجد في كتابنا "مذبحة بيت الضيافة" أنه أن بوسعنا ما يزال، برغم صدأ الزمن، أن نحقق بصورة وثقى ومقسطة في المذبحة. وبدا لي أننا نجحنا في الكتاب في بيان إمكانية هذا التحقيق ولم نتجاوز الأدب المتاح عن المذبحة من صحافة ووسائط ومذكرات الضحايا الأحياء وذكرياتهم، وأرشيف الصور المتاح إلى الأدلة المادية التي بيد الدولة وأجهزتها. فمتى اتفق للدولة إعادة التحقيق تفتحت لها الوثائق من حصيلة لجانها للتحقيق في الانقلاب والمذبحة، ومضابط تحريات قسم القضاء العسكري، وسجلات المحاكم العسكرية الإيجازية، وأرشيف الأمن القومي، وتسجيلات الإذاعة والتلفزيون، وقسم التصوير الفوتغرافي بوزارة الإعلام والثقافة. ويمكن لها أن تستمع للشهود الأحياء القليلين وذريتهم، وكل راغب في الحديث في الشأن.

وما استغربت من شيء مثل استغرابي كيف فات علينا هذا النهج الكريم في التحقيق في واقعة نهضت دلائل الطعن في المتهم التاريخي بها لنصف قرن من الزمان وكان أول من دعا إليه هو الرئيس السابق المرحوم جعفر محمد نميري. ففي لحظة لا تشبه المنتصر (الذي يكتب التاريخ كما شاء) ولا نميري (الذي اتصف بشيء من الاندفاع) دعا نميري إلى تدوين تاريخ 19 يوليو لا ككتاب "اتهام إنما كتاب تاريخ". فقد خاطب نميري ضباط وصف ضباط وجنود سلاح المدرعات يوم 29 يوليو 1971. وكرس كلمته القصيرة للدعوة لتدوين تاريخ واقعة 19 يوليو. فقال إن أحداث ذلك اليوم هي وقائع غير مربوطة. ولكي نستنبط منها الدروس للمستقبل وجب أن نكتبها بأمانة وإخلاص وصدق. وطالبنا بالتجرد من كل عاطفة وشماتة على الآخرين في كتابتها. وقال إن العملية صعبة شوية ووجه قادة الوحدات للتنسيق لتسجيل وقائع تلك الأيام بعقد حلقات جماعية يدونون ذلك التاريخ من أفراد قوتهم. ونبه كذلك إلى أن يكف رواة الأخبار عن التعليق وأن يتركوا ذلك لغيرهم. وسأل الرواة أن لا يظلموا أحداً من زملائهم الجنود والضباط في إفاداتهم. كما نبه إلى ذكر المدنيين وحسن معاملتهم للعسكريين. فهذا العرفان جميل لقصة جميلة في جوانب هامة منها.

ولكن صبر نميري على الحكمة نافد كما علمنا. فقد عين بأمر جمهوري في أوائل أغسطس 1971 لجنة لتقصي حوادث 19 يوليو أصبحت تعرف ب"لجنة القاضي علوب" أطال الله عمره. وكلفها بإجراء تحقيق شامل بغرض معرفة طبيعة الانقلاب ودوافعه وغير ذلك من الظروف والملابسات التي واكبته. ولم يصبر نميري على موضوعيته الغراء التي أظهرها في حديثة بسلاح المدرعات. فقد قطع التحقيق قول كل خطيب عن موضوعيته لما سمى موضوع التحقيق في تشكيل اللجنة "تآمراً" للحزب الشيوعي وآخرين على الدولة. فهذا هو الجس بعد الذبح. فالبحث عن دور الحزب الشيوعي وغيره فيه لم تكن فرضية بل حقيقة تقررت للمحققين بواسطة الجهة التي جمعتهم في صعيد واحد.

وفي حديث الغد نرى كيف مظاهر أخرى من تنصل نميري عن التحقيق الحق وكذلك كيف ركبت تهمة مذبحة بيت الضيافة الشيوعيين لأنهم كفوا عن التحري الذي بدأوا به باكراً، وتواثقوا به على براءتهم ثم صمتوا صمتاً صارت به سردية خصومهم هي الحق.





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1186

خدمات المحتوى


التعليقات
#1844668 [الطاهر حسن التوم جقة كبير]
1.00/5 (1 صوت)

07-24-2019 10:07 AM
هوووووي انت لسه حي
وعندك نفس كمان تعيد اسطوانتك المشروخة عن بيت الضيافة!!!!


#1844539 [عثمان مصطفي]
1.00/5 (1 صوت)

07-23-2019 05:51 PM
الطرف الثالث هو طرف خبيث تعود الصيد في المياه العكرة
بمكر ودهاء كبير
ابحث عن الاخوان في الموضوع


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة