المقالات
السياسة
الخوف من الخطيئة فى نظرية الثورة و الثورة المضادة/ السودان ديسمبر/2019
الخوف من الخطيئة فى نظرية الثورة و الثورة المضادة/ السودان ديسمبر/2019
07-24-2019 02:52 PM

الخوف من الخطيئة فى نظرية الثورة و الثورة المضادة/ السودان ديسمبر/2019
التقدم الذى شهدته امريكا الشمالية كان من نتاج الثورة ضد الهرطقة الكنسية ودولة الإقطاع فى ارويا التى قادتها الثورة الفرنسية و نقلها الفلاسفة و العلماء و المهنيون الى الدنيا الجديدة , لم تكن هناك ايديولوجيا على المستوى التطبيقى قادت نشوء الدولة فى امريكا رغم وجودها كجزء من ميكانيزم التطور الاجتماعى ,بل كانت الانتفاضة الاوروبية ضد الفساد الاخلاقى صار المآل المنطقى للحداثة الاوروبية و دولة الرفاه.
اتخذ الصراع فى السودان بعد ثورة ديسمبر 2019 ابعادا معقدة و ذلك نتيجة للخلفيات التاريخية للمكونات الثقافية السودانية المتباينة و المتضاربة أحياناُ, و عليه تعددت الأقطاب و الأطراف المتورطة فى الصراع على المستوى الثماثلى مثلا الصراع الطائفى ( سلفى – صوفى) , الايديولوجى ( يسار – يمين ) الثقافى ( نيلى – ساحلى ) , سياسى ( عشائرى- قومى) .
كل هذه الاقطاب تمثل ديناميكية الصراع الحالى فى السودان , كلما قلت وتيرة إحدى محركات الصراع أرتفعت أخرى , و تُكمن خطورة الوضع فى كون السياسيين تعاملوا مع الجانب الظاهر من محركات الصراع بالتالى ظلت العوامل الأخرى فى تطور مستمر لتبرز إلى السطح فيما بعد, و ربما تستعصى على الحلول المطروحة .فى حقيقة الأمر بدأ الصراع ظاهرياً ما بين السلطة المركزية المتمثلة فى المؤتمر الوطنى و مؤسساته الفاسدة و ما بين أعلان قوى الحرية و حلفائه الأخرون ممثلاً فى الاحتجاجات الشعبية . كانت العوامل الحقيقية المحركة للاحتجاجات الشعبية تتمثل فى أثنين :
اولا , صعوبة المعاش نسبة لغلاء الاسعار و ندرة النقد, هذه الحالة تعتبر نظرياً عبارة عن عدم المقدرة على الوصول الى العناصر الوجودية التى تعتبر الضرورة القصوى للحياة وهى غير القابلة للتفاوض .
ثانيا ,صعوبة التعايش الاجتماعى , وهى تعسر الضرورات الاجتماعية المتمثلة فى اضطراب الهوية والافتقار الى الحرية و تفشى الظلم.*
هذان العاملان أصبحا المحركين الأساسين للثورة الشعبية و حددا أتجاهاتها العامة , وهناك عوامل ظرفية مساعدة لتلك الثورة تمثلت فى التجمعات المهنية و الأحزاب والشخصيات المعارضة, صارت بمثابة المؤثر الظرفى لأتجاهات الثورة بشروط محددة أرتبطت بالعوامل الزمانية و المكانية لها , متى ما أنتفت تلك الشروط أختفت مؤثراتها المتمثلة فى قادتها السياسيين , وتلقائياُ يحل محلها مؤثر أخر و هكذا سارت تلك الثورة وكذلك سوف تسير إلى أن تبلغ منتهاها , فلذلك نجد الأحتجاجات منذ بواكيرها لم تحتفط بقادة نمطيين إنما يتقدمها و يقودها عدد من الجهات ذات التوجهات المختلفة , أولا كانوا افرادا مثل أحمد الضى و ذنون و اخرون ,ثم ظهر تجمع المهنيين , اعلان قوى الحرية ,و المجلس العسكرى و هكذا عدد من المعارضين لنظام الانقاذ .
لقراءة مآلات الثورة لابد من مناقشة العوامل الكبرى لقيام الثورة بشكلها الوظيفى و الأطراف الأساسية فى الصراع الافتتاحى .فى حقيقة الامر نجد ان الصراع وقع ما بين الدولة و الشعب , حيث مثل الدولة حزب المؤتمر الوطنى بمؤسساته الفاسدة , و مثل الشعب تجمع المهنيين بمكوناته المضطهدة , و المحركات الاساسية لهذا الصراع شظف العيش بسبب ابتلاع النظام الحاكم لمسبباته الاساسية مما اوصل الشعب مرحلة لا يمكن معها امتلاك قوت يومه و كان خياره الأوحد تصفية مسببات الأزمة و تغيير هيكل النظام .
من ناحية أخرى أحتوت الثورة على مكون نوعى عميق يكاد لا يُحس , وهو عبارة عن قطبين متقابلين من الجيل القديم و الجيل الحديث(الشباب) , و قد أكتسب الجيل الحديث عقلية كونية تميزت بالوعى المعيارى و الذى عبره أستبصر مستحقات المستقبل الرائد لدولة راشدة تقوم على القيم الكونية (حرية سلام عدالة) , بينما كان الجيل السابق تحركه عقلية أنبنت على أوهام الشجاعة العنترية و الرجولة الفرزدقية وصناعة الأنساب و الاخلاق الملائكية , و هى عقلية تصورية وظيفتها إنتاج وعى زائف عن الواقع الراهن و الذى من خلاله تم تصوير و تنميط هذا الجيل الحديث على أساس إنه جيل يعيش فى غيبوبة المخدرات و السفه الغرائزى فلا يستطيع تأسيس دولة رسالية كأمثال جمهورية افلاطون الفاضلة .
بالتالى أتّسم صراع الأجيال هذا بالظاهرة الفصامية و المفارقات المدهشة , حيث لجأ الجيل القديم إلى سلاح الدين و الأيديولوجيا و أحياناً العنصرية لحسم المعركة لصالحه محققاً بعض الأنتماءات المتصدعة إلى العسكر و الشعب و الشباب, بينما ظل الجيل الحديث ينادى بتحقيق الحرية و السلام و العدالة عبر مؤسسات مدنية كأستجابة طبيعية لمتطلبات الواقع الراهن و هى من أسمى القيم الإنسانية . فى خضم تحليل شخصية الجيل القديم نجد بعض الظواهر السايكلوجية السالبة تتمثل فى الخوف من العفريت ( الذى أحياناً يتدثر بجلباب الدين , والعِرق و الثقافة) الذى يعانى منه هذا الجيل بالتالى طفق فى مقاتلة هذا العفريت كما فعل دونكشوت فى الطواحين الهوائية , مستخدما كل وسائل الضرب المبرح لكن فى غير موضعه , فمثلاً مسيرة نصرة الشريعة جاءت فى الزمن الخاطئ إذ كان ينبغى لها ان تكون قبل بضعة عامٍ او نَيْف عندما جاء القرصانة لتفكيك مشروع الجزيرة و سرقة موارد الدولة الطبيعية و أستباحة دم المسلمين من غير حق و من خلفهم البلهاء فى حشد القبائل ضد القبائل حتى تعمى الأبصار, كانت هى اللحظة المناسبة لنصرة الشريعة .
الخوف المرضى هو عامل مرافق لشخصية الأجيال القديمة غير المستقلة فكرياُ و منهجياُ, خوف اليمين من اليسار و اليسار من اليمين ,يخاف رجال الجبهة الاسلامية من انتقام بقايا الشيوعيين اذا صعدوا الى السلطة, و يخاف قادة الشيوعيين من عودة الاسلامين الى سدة الحكم بعد سقوط دولة البشير ,إذ هم أى الاسلاميون اذاقوا الشيوعيين طعم الموت حتى عند أمرٍ هزيل , هذا النوع من الخوف أدى إلى تشرزم محورى للتيارات الأيديولوجية فصار اليمين يحتشد الى اليمين و اليسار الى اليسار , بالتالى اصبح الدافع الاساسى للسلطة هو البحث عن ملجأ آمن يوفر حماية و حصون ضد العفاريت التى طالما ظلت كابوسا عرقت مضاجع الحرس القديم للايديولوجية الشيوعية و الاسلامية. لذلك لا يرجى البتة خير من دولة قامت على اكتاف هؤلاء سواء كانت من التيارات الاسلامية او اليسارية, فلا حل غير الوسطية فى أمةِ وسط .
سقطت العقلية التصورية التى تريد حشد الشباب إلى الجنة زمراً بالصياط و العصى فى زمن النفاق و التصفيق عند بوابات الوالاة و السلاطين, و سقطت العقلية التصورية التى تريد أن تُخيف الشباب من الأسلام السياسى الذى ربّما صوره اليسار على أساس إنّه مجموعة من الإجراءات التجريمية التى فى نهاية المطاف تؤدى إلى الجلد و قطع اليد و التهجير و الرجم و قطع الرأس , سقطت هذه العقلية أمام الوعى المعيارى لدى الأجيال الحديثة التى أختارت المصفوفة الأولى من عناصر العيش الكريم ألا و هى "حرية , سلام و عدالة " .
إذن الإضطراب الذى وقع فى ثنايا الثورة كان فقط فى الجزء المريض من مكونات الثورة التى يمثلها الجيل القديم المتطرف عقدياً و ثقافةً و منهجاً, الذى يخاف من أىّ شئ حتى نفسه, يخاف أحياناً من المؤامرة الكبرى التى أُريد بها تدمير الاسلام او الوعى التقدمى , و أحياناً الخوف من قيام دولة الزغاوة و عودة الخليفة عبدالله العايشى , الخوف من الجلابة أحفاد الزبير باشا و الخوف من دولة أولاد النيل, كل هذه الأوهام لا محل لها فى عقلية الجيل الحديث لأنها من شأن أساطير الأوليين, إلا شذوذاً و كفى .
عندما أكتشف الشباب أىّ الجيل الحديث الظاهرة الفُصامية لدى آبائهم و أجدادهم تسارعوا إلى تكوين جسم جديد لعلّه يكون من المعافين من مرض الهزيان و الفوبيا حتى يخرجوا به من دائرة الأسر الأسطورى و العقائد الشبيه بالطوطمية و عبادة الأسلاف إلى عالم تحكمه منظومة الحرية و السلام و العدالة .

عبدالرحمن صالح احمد
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 261

خدمات المحتوى


التعليقات
#1844759 [Abu Ahmad]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2019 04:51 PM
مقال رائع حقيقة .. شخّص المشهد الحالي بموضوعية ووضع المبضع على الجرح .. تسلم ..


عبدالرحمن صالح احمد
عبدالرحمن صالح احمد

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة