المقالات
السياسة
ثوار السودان بين مقصلة الهمباتي وتجار السياسة
ثوار السودان بين مقصلة الهمباتي وتجار السياسة
07-25-2019 02:42 AM

ثوار السودان بين مقصلة الهمباتي وتجار السياسة

توطئة لابد منها:
هناك مهن غير منتجة: السياسي والتاجر. كلاهما وجودٌ طفيلي. ومحنة السياسي أنه تاجر كلام أيضا. ثمة فارق كبير بين السياسي ورجل الدولة. السياسي النزيه الحاذق قد يبني دولة. مهاتير محمد مثالا. رجل دولة أجبرته إخفاقات السياسيين والتواءاتهم على العودة لدست الحكم في سن الرابعة والتسعين. سياسيو السودان على النقيض. اجبرتهم تناقضات سيرتهم الذاتية، اخفاقاتهم وإدمان الخذلان على (الكنكشة) وانتظار الرابعة والتسعين. فما أعضل ما يستعصي على الأفهام!!
******
ملهاة عبثية تدور وقائعها في أديس أبابا وتهدد افرازاتها ثورة الكنداكات والشباب الذين اقتلعوا حكم (الكيزان). كيانات مريبة تتراقص ما بين انجمينا أديس أبابا الإمارات وطرابلس، همها الأساسي توريد المرتزقة وقبض الأثمان. هؤلاء بقيادة مني أركو مناوي، قابضون من قبل، متطلعون الآن ومن بعد للمطالبة بالجاه والمنصب السيادي. اتفق مناوي في انجمينا مع حميدتي على إطلاق أسراه، فيما ظنه الجميع اسنادا ودعما لمفاوضات السلام. الآن اتضحت الصورة بعد تصريحات حميدتي أمس أنه هو السبب في تثبيت حق الحركات المسلحة في المفاوضات، ودفعها لأخذ نصيبها من زمرة المركز. ودليله مفاوضات أديس أبابا التي تجري الآن.
فائدة حميدتي في الراهن السوداني الحالي أنه (همباتي) على السليقة. غريب على أوساط السياسيين التجار المعجونة بالسم في الدسم. وتصريحاته الكاشفة تكشف أيضا حجم الورطة التي يجد نفسه فيها الآن، درجة أنه لا يدري إن كان يخاطب جمعا في المهندسين أم امبدة، لكنه يدرك ويعترف أنه (مُخْتَرَقْ)، وتحت رحمة دولة (الكيزان) العميقة.
التباس حميدتي يعكس التباس المشهد السياسي الراهن المفتوح على كل الاحتمالات. خاصةً بعد تصريحات المبعوث الأمريكي أمس التي قفلت الطريق أمام أي انفراج قريب.
إذن فلتتواصل الملهاة.
جبريل إبراهيم (كوز) مغروس في وسط دائرة التفاوض، جيبه مفتوح للإمارات وقلبه مع قطر لحماية تنظيم (الأخوان) المهدد بالانقراض. جبريل إبراهيم اُقْتِيدَ الى المطار قبل أن تعيده الوساطات. وكان حريا بقوى الحرية والتغيير أن تبعده هي، لا الدولة المضيفة، لخرقه الأعراف، مكارم الأخلاق ولأنه ممثل رئيسي لدولة (الكيزان) العميقة.
لا يهم، فالحرية والتغيير شرذمة هجين من التجار السياسيين وأولاد قوش. وستستمر الملهاة في فنادق الخمس نجوم المتخمة المترعة، بينما يعاني أهل السودان المسغبة وغول الغلاء الفاحش.
وفي الأثناء يتوالى هروب المال المسروق. تنظيف وحرق وتدمير السجلات. إطلاق سراح القتلة واللصوص أو تسهيل هروبهم. يتوالى خروج الجرذان من مليشيات علي عثمان للعلن والجهر، فيما تنتظر أمهات الشهداء انفضاض رهط أديس أبابا المشين. المفجع أن ثورة ديسمبر لم تعط أي فردٍ من المصطفين في أديس أبابا تفويضا بتمثيلها، ناهيك عن تسليمه منصب سيادي.
ونصيحة مستوحاة من تجارب شعوب سبقتنا بسنوات ضوئية. الشعب البريطاني بعد خروجه منتصرا في الحرب العالمية الثانية، أسقط تشرتشل الأسطورة ومهندس الانتصار في أول انتخابات.
لماذا؟
لأن أبطال الحروب ليسوا الأكثر تأهيلا لفهم أولويات وإدارة مرحلة السلم. ولكم في مانديللا قدوة، وفي موجابي وسلفا كير (عظتان) يا أولي الألباب. المفارقة أن جميع حركات أديس أبابا المسلحة شاركتْ ومسؤولة عما حلَّ بجنوب السودان من خراب، قبل وما بعد الانفصال. بتغليبها سياسة المغنم المسيطرة على عقول رفقاء السلاح بعد اصطراعهم واحتكار السلطة. والنتيجة دائما ثراء (الرفاق) الفاحش بالسرقات والحسابات السرية، وموت الوطن وانفضاض السامر للبحث عن مغنم و(مأكلة) جديدة.
إذن فليهدأ مناوي، جبريل إبراهيم، عقار، عرمان بل كل حملة السلاح. الحصة وطن. والكنداكات والثوار الشباب أحرص على بلادهم من أن يسْلِموا قيادها لكوادر الحركات المسلحة. أن تنخرط الحركات المسلحة في سياق الثورة، أهلا ومرحبا. شريطة الالتزام بالأولويات: نكران الذات، التزام العمل الدؤوب لرد المظالم، إعادة الإعمار، توطين النازحين، وضخ الدماء في شرايين الهامش المتيبسة. لكن انتظار المحاصصات والتشريفات وثلاث سنوات من الإثراء السيادي لا يشرفْ، وقد يطول.
على صعيد آخر ما زلنا في انتظار الوثيقة الدستورية. وما زالت مشكلة حصانات المجلس العسكري المضمنة في المسودة تثير التساؤلات.
نبيل أديب رئيس لجنة الصياغة القانونية يقول: "المجلس السيادي ومجلس الوزراء في الأوضاع الديمقراطية لهم حصانة إجرائية، لأن المجلس السيادي، هو رمز السيادة بالدولة، ولا يجوز تعريضه لإجراءات جنائية. الشخص يُمْنَّحْ الحصانة للوظيفة التي يشغلها، وإذا أساء للوظيفة، يجب أن تُفَعَّل إجراءات عزله أولا قبل رفع الحصانة لمحاسبته". هذا رأي.
رأيٌ آخرْ شهادة بروفيسور وضع لبنات القانون في السودان: "لا وجه إطلاقا لإضفاء حصانة لأي شخص أو مؤسسة في الفترة الانتقالية أو ما يتلوها. ذلك يتناقض مع مبدأ المساواة بين الناس. لا تمييز لأحد بسبب الجنس أو العرق أو الوضع السياسي، ذلك يتناقض مع الفهم الصحيح للصلاحيات الرمزية. يجب ألا تتضمن الوثيقة الدستورية أية إشارة الى حصانة، لأنه بغير ذلك سيتمتع أعضاء المجلس السيادي بالحق في خرق القانون ".
إذن نحن أمام معضلة قانونية لابد من اجلائها للفائدة والتنوير.
ونأمل ألا تتحقق نبوءة المبعوث الأمريكي بطول الانتظار أو تنجح المساعي التي تدعو لنقل المفاوضات الى السعودية. ذلك سينقلنا الى فضاءآت أرحب. سيرحب الساسة تجار الكلام القابضون بالسانحة، وفي أذهانهم لبنان واتفاق الطائف.

كلمات أخيرة:
حميدتي المغرم بترديد عبارة (الحساب ولد)، أعلن في لقاءات الدعم السريع المتلفزة، استعداده للمساءلة وفق مبدأ (من أين لك هذا؟). نادى بتطبيق المبدأ فورا على الجميع، لمحاسبة كل من سرق، ارتشى، فسد وأفسد خلال الثلاثين عاما الماضية. لماذا لا يوضع المبدأ على رأس أولويات مهام الفترة الانتقالية. تفعيل (من اين لك هذا؟) يضمن استعادة الثروات الهائلة، المسروق أغلبها من الهامش وتوجيهها لبناء الهامش.
وليبدأ (الحساب الولد) بحميدتي، ليشرح لأهل السودان كيف آلت ملكية ذهب جبل عامر لإمبراطوريته المالية؟

مالك جعفر
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 327

خدمات المحتوى


التعليقات
#1844921 [ابوبكر حسن]
1.00/5 (1 صوت)

07-25-2019 01:40 PM
يا أخي هؤلاء ..قد خبرناهم جميعا .., ما عندهم علاج لأي مشكلة..
وفي الحقيقة ..هم ذاتهم المشكلة .., فإذا لم يستطيعوا ان يتوافقوا فيما بينهم , ويتحلوا بالصبر والمسئولية ( فضلا عن الحكمة ) ويحلوا خلافاتهم فيما بينهم كحركات مسلحة قامت ـ من المفترض ـ لحماية شعوب أقاليمهم المضطهدين من قبل سلطة المركز !
تلك السلطة المنوط بها العمل في خدمة الناس والمشاريع التنموية الشاملة والرفاهية بدلا عن رميهم بقاذفات لهب وقتلهم بالجنجويد .
يعني باختصار شديد..هذه الحركات أثبتت فشلها في كل مرة تخبر فيها؟ ولا تعدوا أن تكون من جملة الساسة الأقزام الذين ابتلينا بهم في المركز.
فإذا لم يستطيعوا حل المشكلة الداخلية للحركة الواحدة وأدا هذا العجز لانقسام الحركة لمجموعتين أو حركتين فكيف لعاقل أن ينتظر منهم حل لمشاكل البلد البالغة التعقيد !!؟؟

شكرا يا أستاذ مالك جعفر على المقال الرصين
ابوبكر حسن خليفة


مالك جعفر
مالك جعفر

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة