المقالات
السياسة
هَوِية الثورة والتغيير في السودان 1- ربيعٌ عربي أم صيف سوداني ساخن
هَوِية الثورة والتغيير في السودان 1- ربيعٌ عربي أم صيف سوداني ساخن
07-26-2019 06:22 AM

هَوِية الثورة والتغيير في السودان 1- ربيعٌ عربي أم صيف سوداني ساخن

منذ إندلاع ما سُمِيَّ مجازاً بثورات الربيع العربي أخذ البعض يقارن بينها وبين ثورة الشعب السوداني وفي بعض الأحيان إعتبرها بعض مُكمُّل لتلك الثورات باِفتراض إنتماء أرض السودان وأهله للهوية العربية. لكن، في أقل تقديرات الواقع المعاش يَعْرِفُ أغلبنا أن الهوية السودانية لا تزال في محل جدل وخلاف بدليل أن شارع الثورة هتف في مدينة بورتسودان، في أقصى شرق البلاد، ضد رئيس النظام السابق: "يا عنصري ومغرور...كل البلد دارفور" وردت عليها مدينة الفاشر، في أقصى غربه "ياعنصري وغدار... عطبرة الحديد والنار" وذلك في إشارة إلى لجوء النظام إلى عنصر العرق بغرض إحداث التناحر والشقاق بين معارضيه حتى يسود ويحكم. لذلك، كان من الجَلي - الواضح أن صراع الهوية مثل حضوراً فاعل وحي في وعي الثورة المطالبة بالحرية والعدالة والتغيير.

لغرض المقارنة والتحليل بين ما أُصْطِلحَ عليه ب- ‘الربيع العربي’ و ‘الربيع السوداني’ سوف نتخذ من الظرف السياسي والإجتماعي الذي أحاط بقيام تلك الثورات وطريقة تفكير وسلوك جموعها الثائرة معايير نحكم بها علي هوية ميول تفكيرها وفعلها الثوري المتناسق مع مقدمات أسبابه ونتائجه المنطقية. لكل ذلك؛ ولتداخل وتشابك عوامل الهوية من عرق ودين وثقافة ومواطنة، يتحتم علينا تناول كل مستوي من هذه المستويات علي حدة وبقدر ميسر من التخصيص والتفصيل في إطار تعريف الهوية التي تقوم على المعرفة المشروطة بالوعي والإستنارة.

ربيع الثورات تعبير مجازي يشير لطبيعة التغيير في الفعل الثوري ولدور الشباب، ربيع العمر، في إحداث تغيير الواقع المَفْروض والمرفوض. لاشك أن نضارة وجسارة شباب ثورة السودان تضاهيان مثيلاهما في الربيع العربي العربي ولكن، ثورة الشعب السوداني لاتشبه ربيع ثورات العرب إلا في العموميات التي تُعَرِّف الثورات من حيت أنها فعل جماهيري يتأسس علي رفض السلطة القائمة.

من لزوم القول أنه في ظل الواقع المعرفي الآسن والرديء الذي تعيشه دول المنطقة العربية، بقيت حالة هوية شعوبها في حالة بيات شتوي قارس وطويل على الرغم من الوقوف الدائم لطبيعة الهوية على رمال التحور والتكوين. ففي الوقت الذي مازالت شعوب الدول العربية تُكابد الخروج من توابيت أنظمة القهر والتَجبُّر، المُحنَّطة - المُتكَلِّسة، تحرر شعب السودان من عزلة الأحياء والحواري وكسر حاجز الصمت والخوف وخرج لرحاب الشوراع وصدر الميادين متوجهاً صوب مشرق الشمس وهو يهتف جاهراً-عالياً:" حرية...سلام وعدالة والثورة خيار الشعب" غير عابئٍ بصدره العاريٌّ والمكشوف لرصاص قناصة كتائب النظام والظل والظلام.

كل ثورات الربيع العربي بدأت في شتاء عام 2010/ :2011تونس في ديسمبر، 2010؛ الجزائر، مصر، سوريا واليمن في يناير، 2011؛ البحرين وليبيا في فبراير من نفس عام . بإستثناء البَعث الثوري الجزائري الذي ما زال يتشكل ويتحور حول غاياته السامية والثورة التونسية التي تجاوزت عثرتها بفضل المد المتواصل في الوعي الثوري والمراجعات الفكرية الجادة التي قامت بها حركة النهضة التونسية الإسلامية، إنتهت أغلب ثورات الربيع العربي إلي فشل كامل بسبب الثورات المضادة الراسخة والعميقة. أما ثورة السودان فقد ظل وميض جمرها متقداً علي الرغم من آلة القمع والإضهاد التي لم تهدأ منذ بواكير إنقلاب الإسلاميين في عام 1989. فشعب السودان لم يَكِل أو يَمِل الحفر بالأظافر ومدمي الأنامل في جدار صخرة جبروت دولة الإسلام السياسي، الصلدة والعنيدة، حتي تمكن من فتح كوة لضوء الحرية في طريق الإنعتاق النهائي. حالة الغياب التام لفصل الربيع في أحد أركان الوطن العربي وذبول نُوَّارة أزهاره في الركن الآخر المجاور، قابلها فصل ربيع سوداني ساخن، بلا أزهار، مليءٌ بالدم والدموع. فبعد أكثر من ثمانية أعوام من حلول أول فصل لربيع عربي لا يزال الشعب السوداني يواصل المسير في طريق تحقيق حلم ثورته المفروش بتضحيات الحرائر من نسائه والشرفاء من رجاله و الميامين، الأولين، من شهدائه - الأماجد.

هذا في ما كان من تماثل وفوارق البدايات وعِبَر النهايات بين ثورة السودان وثورات الربيع العربي. أما عن طبيعة الأنظمة التي ثارت ضدها الشعوب العربية، فقد كانت، وأغلبها لايزال، يُصنَّف من ضمن الأنظمة الديكتاتورية، الشمولية التي تحسب علي معسكر الدول العلمانية، الغير مكترثة لدور الدين في الدولة، أو في أقل تقديرات الرأي المحايد، فقدانها لِرؤى أيدلوجية واضحة وصريحة. لذلك، مثلت السلطة، في حد ذاتها، وسيلة وغاية تمكنها من باب سلطانها ومقعدها الوسير. هذا الموقف الوصولي من علاقة الدين بالدولة وضع جماعات الإسلام السياسي في مواجهة مباشرة مع السلطة وعرضَّها، أكثر من غيرها، للقمع والإضهاد. لذلك، كان متوقعاً في لحظة تفجر ثورات الربيع العربي أن تكون جماعات الإسلام السياسي في مقدمة صفوف الحراك الجماهيري الذي صاغ الشعارات المُعَبِرة عن كيفية المقاومة والرفض والهادية لبوصلة أهداف التغيير المنشود. أما في السودان فقد حدث عكس ذلك تماماً. فشعب السودان ثار علي نظام ديكتاتوري، فاشي، أتي للسلطة متوشحا شعارات الإنقاذ الإقتصادي والسياسي والإصلاح الإجتماعي والديني وإنتهي إلى تمكين منظومة شاملة وكاملة من الفساد والإستبداد ودولة الفوضى اللانظام.

من جانب، كانت دول ثورات الربيع العربي تمر بضائقة إقتصادية ومعيشية خانقة. هكذا كان الحال في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن. محمد البوعزيزي، التونسي الذي جسد حرفياً إشعال فتيل الثورة التونسية، كان بائع فاكهة مُتَجول لم يستطع الحصول على ترخيص يمكنه من الكسب المشروع لشراء رغيف خبز يومه. أما في الجانب الأخر فكانت هناك ممالك وأمارات ‘البترو- دولار’ والتي علي الرغم من إيغالها في عسف الشمول والقمع والإضهاد والإقصاء، لم يغشاها أيةُ فصل من ربيع، مجازاً كان ذلك أم حقيقةً. هذا التباين الصارخ في الحالة المعيشية للشعوب التي تتدعي إنتمائها للهوية العربية يبين أهمية العامل الإقتصادي في قدح شرارة فتيل الثورات عموما، وفي تلك البلدان العربية الفقيرة، خصوصاً. إضافة إلى ذلك فإن شعارات "حرية...سلام وعدالة...والثورة خيار الشعب"؛ "سلمية...سلمية...ضد الحرامية"؛ لم تكن تعبيراً مجازياً عن إنعدام رغيف الخبز أو ترف لنظمٍ بديع من قوافي ولكن، كان لضرورة قصوى وماسة في التعبير عن رفض عنف وعسف الدولة المنحازة، الظالمة، ولرغبة جامحة - جارفة في دولة العدالة والديمقراطية. على الرغم من كل ذلك التشابه في المقدمات والأسباب فقد قامت ثورات الربيع العربي بتَرفِ دعاوي الحرية والكرامة في حين لم ينهض جناح شعب السودان المهيض إلا بعد أن تفشي العوز والفقر وعَصَر الجوع الأفئدة والبطون الخاوية. هكذا تتبدى المقاييس ومقامات الأحكام في ثنايا العقل المكبل بمغالطات منطق الأشياء والأفكار.

إذا أخذنا بمقاييس قيم وأخلاق الدين التي تحكم علي الأقوال والأفعال بصلاح العقيدة ومتانة الإيمان يكون من الضرورة المنطقية إرجاع فشل وفساد الدولة العلمانية بسبب إبتعادها عن ظاهر وجوهر تلك القيم والأخلاق. لذلك، في دول ثورات الربيع العربي، فارقت مقاييس أحكام الدين وأخلاقه باب الدولة والحكام وإلتزمت جانب الجماهير في الشارع الرافض- الثائر. أما في السودان فقد حدث عكس ذلك تماماً حيث بلغت أيدلوجيا الدين ذروة التمكين من الدولة والسلطة وإنتهت إلى كُلٍ شامل ومتكامل في فساد الفكر والأقوال والأفعال. بهكذا مقاربة تكون ثورة السودان قامت علي النقيض الصارخ لثورات الربع العربي التي سار فيها الدين في أزقة وشوارع ربيع ثورة العرب على ساقين وطرح نفسه كحل مقنع، بديل، في حين كان نفس الفهم للدين، في عهد دولة الإسلام السياسي في السودان، هو سواد عين المشكلة و معني بيت القصيد.

بإسم أيدلوجيا الدين، في دولة خالص الإيمان، بُرِّرَ الكذب والرياء و وأستحسن السفيه من القول وفزلكة اللسان. صار أصحاب الحظوة وشيوخ الدين من رجال المال وأصحاب النفوذ والأعيان ومن قدس نصوص الدين حيك فقه التحلل من سرقة المال العام ونُجِرت فتاوي القصاص من الخارجين على دولة الظلم وإجماع علماء بلاط السلطان. نَصح العلماء والحكام، في دولة ‘حكمة الغنى في القناعة’، جموع المسلمين الخاشعين بالتبتل والتهجُّد في كل المواقيت والتعبد في دور الجوامع وأركان المساجد في حين تفرغوا، هم، لسياسة المنافع والمصالح مع الطامحين والطامعين من دول مِلة الإسلام أو حتى من محور دول الشر والكفر والإلحاد. فلا فرق ولا حرج، فالأهداف واحدة والمصالح متبادلة ومشتركة. إستطال وتتطاول أهل دولة الأنقاذ في شاهق البنيان وإغتنموا من غض الحسان مثنى وثلاث ورباع. في دولة شعار "هي لله...هي لله…لا للسلطة ولا للجاه" فارق المسئولين درب الإستقامة وحسن السلوك وتهافتوا علي نعيم الدنيا وترفها الزائل و تناسوا دور الدين في كبح جماح رغبات وإنفعالات النفس الأمَّارة بالسوء وحكمته في ربط الثواب والعقاب باليوم الآخر في الحساب. في بساطة وإيجاز، إستقرت دولة أيدلوجيا الإسلام في السودان علي أساس العسف والظلم والفساد ونظام اللانظام.

مثل المشروع الحضاري في السودان مسرحاً سُريالياً لتراجديا العبث والإستهتار بكل ما هو خيُّرٌ وجميل. بين جدران ‘مدينة يوتوبيا إسلام السياسية’ أعاد التاريخ إنتاج عصور ظلامه السحيق ليكون رجل الدين هو وكيل االله في الأرض والوزير والوكيل علي أرزاق العباد وصاحب والثروة والسلطة الذي لا يعصي له أمر ولا يشق له غبار. فالزمان أصبح غير الزمان والسماء لم تعد صافية، زرقاء، تدعو للتفائل والتأمل والسكينة بعد أن تلبدتها سحائب الهواجس والظنون من المجهول في مستقبل الأيام. وكيف لا! والملك دان للظالم الجبار والعلم للجاهل- الجاهر بالإفك والبهتان. صار حال الناس إلى فقر مدقع والدولة إلى ضمور وسوء هزال وإختزلت السياسة في حزب الدولة والرئيس وإرتد المجتمع إلى حدود مضارب العشيرة ودافيء حضن القبيلة وتراجعت ذات الهوية إلى حِمى العرق وفهم وتبرير العقيدة المتشدد - النشاذ.

نتابع في هَوِية الثورة والتغيير في السودان 2- الهوية كحالة من معرفة الذات المستنيرة

د. عثمان عابدين عثمان
في 17/7/ 2019
[email protected]
https://www.facebook.com/notes/osman-abdin-osman/





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 358

خدمات المحتوى


د. عثمان عابدين عثمان
د. عثمان عابدين عثمان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة