المقالات
السياسة
السياحة في السودان: الجانب المنسي في إقتصاد البلاد
السياحة في السودان: الجانب المنسي في إقتصاد البلاد
07-27-2019 11:04 PM

السياحة هي من الجوانب المنسية في بلادنا، والتي تدر الدخل العالي على كثير من بلدان العالم، لا سيما دول القارة الأفريقية بأجمعها، وبغض النظر عن تطورها. وهذا بسبب ما تقتنيه دول القارة من أعراق وطبيعة وثروات، تختلف في تنوعها على امتداد القارة الأم. نجد فيها على سبيل المثال، الاختلاف في الأجناس والعادات والتقاليد والتضاريس الجغرافية والخلفية التاريخية، وفي كل بلد. نجد فيها بدائية الحياة وبساطة الإنسان، في وقت يركض فيه إنسان العالم الحديث لاهث وراء البحث والاستكشاف. ولكن كما هو حال الإنسان في سعيه، وبعد الوصول إلى قمة الشجرة ولآخر فروعها، ينبرش منبطحا على بطنه، يرجع عبر ساقها، ليعود مرة أخرى للجذور ويتشبث بها. يكسر السائح القيود المكبلة، للخروج بنفسه من روتين الحياة اليومي الممل، وهذا بالرغم من وصوله لما يروم من أهداف. ويكون آخر تاج يكلل نجاحه، اكتشاف آخر عن طريق الصدفة. اكتشاف الحياة التقليدية "الحياة البسيطة". وقتها يجد السائح نفسه باكتشافها، بأنه كائن حي، حر وطليق. وتتجسم عندها قمة فرحته، في تذوق وانتشاءه لحياة جديدة - الحياة في أبسط صورها، ومعايشته للشعوب الغريبة على طبيعتها – مما يعني العودة من جديد للجذور - وبه يتم الابتهاج لأشياء غريبة مثل: تمعن حجر ملقي، أو الوقوف على باب مخلوع، أو دخول مبنى قديم، أو تفرس وجه بشوش، أو حتى الارتياح لشمس تحرق أهلها في كل يوم. بل حينها يتم الاحتفال بأشياء عجيبة مثل: دندنة زنبور، أو سباحة سمكة، أو تغريد عصفور، أو مواء قطة، أو نباح كلب. أشياء نتجاهلها في حياتنا اليومية ونعتبرها من سفاسف الأمور، ونرى في متابعتها ضرب من ضروب قلة شغل الإنسان. بل هي في منظور الإنسان المتذوق للجماليات: نغم - وإيقاع - وإستمرار - ووجود للحياة في سكونها العميق.

للنهوض بالسياحة أو للوصول بها إلى قمة الهرم، لا بد لنا من حصر ما نملك من مقتنيات سياحية وإرث تاريخي، والتي يجب علينا بعد حصرها، المحافظة عليها، تنميتها وتسهيل سبل الوصول إليها. لا بد من الوصول للسائح في مكانه، ربطه بالهدف، توفير ما يمهد لرحلته من سبل، وما يكفي لأقامته ولراحته لعدة أيام: مكاتب السفر المعتمدة، الطائرات المعدة، المطارات المجهزة، ، المترجمين المدربين، الإلتزام بمواعيد الرحلات، توفير ماء الشرب النقي، سبل التبريد والتكييف المناسبة، المنازل المريحة، بيوت الأدب النظيفة، والحمامات المكتملة، وغيره من ضروريات. ثم يأتي من بعده دور المواقع، الأثرية التي يرغب في عرضها للسواح: الدور والمتاحف، المعابد والاهرامات. المساجد والكنائس، القباب والمزارات. المدارس التاريخية والجامعات التذكارية، مناطق الثروات السمكية والحيوانية والزراعية (جبال التاكا، البحر الأحمر، حظيرة الدندر، الجزيرة، جبال النوبة، جبل مرة، وغيره). نهر القاش وما يرتبط به من مزارع، نهر النيل وما يرتبط به من بحيرات ومستنقعات وشلالات وجزر. ويمكن الايفاء بالبعض، في اطار الشرح التفصيلي أثناء الرحلات النيلية عن نهر النيل، وطريق جريانه. كما يجب عدم نسيان التعددبة الإثنية في البلاد (ثروة نادرة لم تكتشف بعد) ،حركة القبائل الرعوية والقبائل الرحل بماشيتهم، بحثا عن الماء والكلأ، أو للتسويق أو التصدير. لا تكتمل النهضة السياحية باهمال الصناعات اليدوية والتقليدية، بداية بمنتجات سعف النخيل، خشب الأبنوس، المصنوعات الجلدية والعظمية. كما يجب عدم الوقوع في خطأ تسويق منتجات الحيوانات ذات الحماية وممنوعة التسويق، مثل جلود الأصلة، جلود الفهد، وعاج الفيل لصنع (الختم، القوايش، العقود، التحف، المحافظ، الحقائب، الأحذية، وغيره).

وقفة احترام وتبجيل: كما يجب الاهتمام بالحرفيين (التحية والتجلة لأخي قرقين ورفاقه الكرام) في شارع الغابة بالخرطوم، تصديق أماكن عمل دائم لهم، تنظيم عملهم، تأمينه وتطويره. هؤلاء الفنانون الصامتون الصامدون، لما يبذلونه من جهد تحت حر الهجير، لاظهار الوجه الناصع للبلاد من خلال فنونهم الجميلة وصناعاتهم اليدوية القيمة، التي تصدر في كل يوم لكل دول العالم. وكل هذا المجهود الجبار من تحت هذه الطاولات البسيطة، وهم يهربون من أشعة الشمس بالجلوس تحتها.

فهم السائح، الايفاء باحتياجاته الضرورية، وإستيعاب هدفه من الرحلة هو علم قائم بذته. مجال يعمل فيه خبراء متمرسون، يجرون دراسات متواصلة لتطويره، ويعملون بدورهم على جذب السياح. كثير ما نفهم السائح فهم خاطيء: نظن أنه كائن حي يأتي لنا من بعيد عطش وجائع. نعم نحن كريمين، ولكنا نبالغ أحيانا في الكرم، الصفة التي لا يجارينا فيها شعب آخر. نأتي للسائح بما نملك وما لا نملك. نستأثره على أنفسنا. هناك من السياح من يفهم أنه كرم سوداني فياض، ولكن القليل يتجاوب معه، خصوصا عندما نحرج السائح بالمبالغة في الكرم. نعزمه على المواصلة في الشرب أو الأكل، حتى بعد أن يرتوي ويشبع. فمن السياح من يتساءل: ماذا يريد مني ابن آدم هذا؟ البعض يشعر بالحرج من بزخ إنسان، هو في أشد الحوجة لما يقدمه للغير. هناك من يشعر بتورطه في وليمة ثرة، يصعب عليه أن يرد أقلها للمستضيف.السائح مخلوق قنوع، تكفيه خيمة، قليل من الزاد، وقطرات من الماء. السائح لا يقع من السماء كما يخيل لنا، يجمع معلومات كافية عن البلد وأهله بقرأته للكتب عن رحلته، ويفكر في البلد الذي يهم بزيارته مبكرا. يقتصد في كل شيء، حتى في استخدامه للماء، خصوصا عندما يعلم أن الناس هناك يعانون من شح في ماء الشرب. البعض من السياح يمتنع عمدا عن الاستحمام، ويكتفي بمسح جسمه بالماء حتى يجد نهر أو بحر يغطس فيه. ضرب من السياح محبي الطبيعة: يعود بعد رحلة طويلة لبلاده من دون الاستحمام. مقصد السائح الأول هو رؤية أكبر عدد ممكن من المعالم في أول يوم لقدومه للبلد حتى يرجع منه. وربما غضب أو ثار السائح ليوم يمر أو ينقضي عليه، دون أن يرى فيه معلم واحد – مثلا إذا تعطلت رحلته، أو مرض أو سجن. السائح ينتشي الأحداث والجلسات أكثر من الولائم الثرة التي تكبله مكانا، وتقيده زمانا. فنجد أن الأغلبية العظمى منهم كضيوف وزوار في الديار، يحبذون كوب ساخن من الشاي أو القهوة عما سواه من الوجبات الدسمة.

فالننظر للتعامل مع السائح في بلاد العجائب: يأتي السائح زائر، وتكن أمنيته التوثيق لرحلته، بأخذ صور تذكارية له ولأسرته ولأصدقائه. يتفاجأ عندها السائح "شقي الحال" بمنع التصوير، ويعجبك الأمر بعد أن يظهر لهم فجأة رجل أمن متربص في الخفاء، ومنبلج من بين وهج سراب الظهيرة. يظهر له بزيه الملكي، يقدم نفسه بمكر ولؤم، ينهي ويأمر، ويتعامل مع الضيف الزائر كالمسعور. الأمر الأول والأخير: ممنوع التصوير. عندها يبدأ الفحص والتفتيش - التفتيش حتى في الأشياء الخاصة للسائح. هنا يزداد الشد والجذب، ويحتد النقاش، والذي ينتهي أحيانا بالسب أو الضرب أو السجن سويا. وهذا خصوصا إذا ما كان المرافق للسائح سوداني، وشعر وقتها بالإستفزاز المباشر من رجل الأمن... هكذا تعقد الأمور، ولا تحل المشاكل... وتتفجر القنبلة الموقوتة... عندما يتدخل السائح "الضيف الزائر" لفض النزاع الدائر بين شخصين، هم في الحق أهل "أسياد بلد"... ووقتها يتفاجأ السائح في رحلته "نوع آخر من الحروب الأهلية"... ويأتي الفشل، عندما يتحول "الضيف لحجاز". هنا نسقط سويا في نظر السائح... ونفشل في آداب الاستضافة وفن التعامل... وقتها لا يفيدنا كرمنا الفياض، ولا ينفعنا ما نملك من ثروات متدفقة أو إرث ثري. وقتها يغيب الإحترام للسوداني المقيم، ويتلاشى التقدير للسائح أو للضيف الزائر.

سؤالين: أولا كيف نريد أن ننهض بالسياحة في بلادنا من بين بلاد العالم، إذا ما كان يعد تصوير المواطن أو ضيفه الزائر للمواقع في حد ذاته جريمة ترتكب؟ وثانيا: بأي الوسائل نريد أن نوثق لموقع أو إرث سياحي نمتلكه ونفخر به؟

ربما أسعف السائح الحظ في التصوير وأخذ بعض اللقطات. عادة ما يحل به الأمر في الأسواق، والتي ربما أعطت واجهة ملائمة لإلتقاط بعض الصور التذكارية عن غيرها. وهنا للذكر لا للتعميم: نجد في المواقع التي هي أحق بالتصوير، كثير من اللافتات التي لا تحتاج لها. وجود لافتات تتوزع في أماكن، ليس لها علاقة بالموقع. مثلا نجد لافتات كبيرة للدعاية، تقفل الشوارع وتحجب واجهاتها الجميلة (دعايات صلصة ومكرونة، معجون وصابون، اطارات وبطاريات، ندوات، وفعاليات، وغيره). لافتات تتوزع على إمتداد الكباري: كبري النيل الأبيض أو كبري النيل الأزرق. لافتات تعلق على طول الشوارع الجميلة: شارع النيل، أمام المنتزهات وعلى واجهة جزيرة توتي. نجد لافتات لا تتناسق حجما أو تتلائم شكلا مع ما يوجد خلفها من مرافق أو بنايات. تلك اللافتات التي تخفي المساجد القديمة أو الكنائس التاريخية بأكملها. على وجه التحديد لافتات كالموجودة أمام جامع فاروق بمعماره الجميل، لتخفي مئذنته الممتدة في الفضاء تماما عن النظر. لنلقي النظر في تجويد العرض، وهذا حتى يزداد الطلب. لنهتم بالجانب السياحي في البلاد ولننهض ببسبل تطويره. جانب إقتصادي من العيب الإستهانة به أكثر من ذلك، في وقت نحتاج فيه لكل عائد يومي ودخل أجنبي. فهو الذي يعود على المواطن الخير، وهو معزز ومكرم في وطنه وبمنتوجه. هو الدعاية المباشرة، حتى يبقى للبلد حسبان. هو الدعوة المفتوحة، حتى تحفظ لإنسانه قيمة، ويحتل الأثنين بدورهما مكان في ذاكرة شعوب العالم الزائرة.

بعيدا عن السياسة – ولكن قانونيا: تعتبر الهدايا الغير رمزية، وباهظة الثمن للسياح والزوار، جرم ينضوي تحت مظلة الرشوة والمحسوبية، ويحاسب عليه القانون في كل مكان. هذا الإجراء ينطبق حتى على موظفي المنظات، الدبلوماسيين والزوار والمراقبين والخبراء والمتابعين لأمور السياسة في البلاد. فهناك من يأخذ هديته معه، ويتخذ منها بمكر آلية أو وسيلة ضغط لإثناء الآراء والقرارات. وربما تفجرت في المستقبل القريب أو البعيد فضائح على الصعيد المحلي أو العالمي، يكون ضحيتها شخص بعينه أو بلد بأكمله. وهنا قصة ليس لأمر التغزل، بل للتوضيح أكثر: قصة الحسناء الفاتنة ذات الشعر الأشقر والأعين الزرقاء. والتي كانت تحرص على المرور بهذا البلد الفقير لعشرات المرات في العام الواحد. كان الدرب يمررها "للمبالغة" بالبلاد، حتى ولو هي كانت عائدة من دار صديقتها لدارها. حينها تحمل بالغالي والنفيس من أهل السلطة والجاه، حتى يغلبها الحمل. كل هذا بسبب التخبط في السياسة الخاطئة "سياسة البيع والشراء". وكان الهدف: شراء الذمم - وشراء الأصوات. ولما سألوها يوما: ماذا تبحثين هنا يا أيتها السيدة الفاتنة في بلادنا، ولماذا يأتي بك الدرب كل مرة بدارنا يا أيتها السيدة الحسناء؟ وكان ردها، قائلة بجراءة: أنا أحب الدوم السوداني حب شديد. ولمن لا يدري، ما شكل هذا الدوم الذي يأتي بحسناء فاتنة من أصقاع العالم، وأي من الدوم تعني؟
إنه الدوم عيار 24 من حلى ومجوهرات. والذي كانت تحمل به كل مرة، وبعد كل رحلة من أولياء أمر هذا البلد الفقير. دوم ذهبي يزين جيدها الجميل، وهي عائدة إلى بلادها. وهنا لا يسعنا كمواطنين إلا وأن نقل: يا سلام على الدوم السوداني، ويا له من دوم ذهبي يتلألأ لمعانا وبريقا: ولتذهب الحسناء الفاتنة بذهبها الأصفر، وليبقى لنا دومنا المر.

حسن حميدة
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 153

خدمات المحتوى


حسن حميدة
حسن حميدة

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2019 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة